حيدر حب الله
345
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
على حلّ تلك المقولة في مرحلة سابقة . ب - قد أشرنا إلى أن الأخباري يرى فرقا جوهريا في بنية النصين القرآني والروائي ، وهذا الفرق الجوهري يمنع عنده عن أصل إمكانية فهم القرآن أو أن نصوص السنّة منعته عن الأخذ بفهمه للنص القرآني ، فيقينية وعدم يقينية الصدور لا تلعب أيّ دور في حسم الخلاف هنا ، ولعلّ الوحيد البهبهاني تعاطى مع الموضوع من زاوية منطلقاته الخاصّة ، وهي منطلقات لا تميّز بين بنائي النص القرآني والروائي من حيث إن فهم مداليل النصوص فيهما يخضع لنسق واحد ، إذا فهذه الخطوة العقلانية الثانية التي اعتمدها الوحيد وإن كانت تمثّل تقدّما في المنهجة والمعالجة ، لكنّها لا تحسم النزاع هنا لصالح المدرسة الأصولية . ثالثا : المحاولة العقلانية الثالثة التي قام بها الوحيد تمثّلت في دمجه بين النصّ والظاهر من حيث طبيعة التعامل معهما ، فبعد ما اعتبر إقرار الأخباري بالعمل بالنصّ القرآني الصريح مأخذا عليه ، انتقد محاولة البعض التمييز بين النصّ الصريح والظاهر ، معتبرا أنهما ضمن سياق واحد وفقا لما تفيده الأدلة والأخبار « 1 » . إن الوحيد يحاول هنا التعامل مع النص القرآني بوصفه وحدة متكاملة غير قابلة للتشطير أو الانشطار ، تبعا لأنواع من الدلالات ، فإما أن نقرّ بمرجعية النص القرآني أو نلغيها على الإطلاق . ومحاولة الوحيد هذه جديرة بالاهتمام في سياقها العقلاني ، لأنّها تؤكّد على استخدام مبدأ واحد في منهاج التعامل مع القرآن ، لكن مع ذلك ، يبدو لنا أن الوحيد بمقولته هذه يقع في مفارقة ، حتى وفق المبادئ الأصولية . إن القاعدة الأساسيّة التي أرساها الأسترآبادي في العقل الأخباري تقضي بعدم جواز الاعتماد على الظنون أبدا ، ولهذه القاعدة سعى الأمين لتأكيد يقينية المصادر الحديثية ، بل سعى لتأكيد يقينية الدلالة الحديثية أيضا « 2 » ، ولما ذهب - هو أو غيره - إلى كون دلالات النص النبوي أو القرآني غير يقينيّة انسجم مع ذاته برفضها إطلاقا ، وهذا معناه أن عنصري اليقين والظن هما الميزان الذي حاولت الأخبارية أن تهتمّ بهما على الصعيد العقلاني ، وحتى لو صرفنا نظرنا تلقاء المدرسة الأصولية لوجدنا التمييز راسخا بين اليقين والظن ، فاليقين في العقل الأصولي لا يحتاج إلى من يمنحه القيمة والاعتبار ، بل هو الذي يمنح ذاته بذاته ، أما الظن فهو دائم الافتقار إلى من يعطيه قيمة ما في مجال
--> ( 1 ) - الوحيد البهبهاني ، الفوائد الحائريّة : 286 . ( 2 ) - انظر نظرية الأسترآبادي في رفض الظن ، كتابه الفوائد المدنية ، حجري : 90 - 128 .